عمر فروخ

154

تاريخ الأدب العربي

ابن مناذر « 1 » 1 - [ ترجمة الأديب ] ولد محمّد بن مناذر في عدن في أواخر العصر الأمويّ . ولمّا شبّ جاء إلى البصرة وأخذ العلم عن أهل الفقه والحديث والأدب ثم بدأ نجمه يعلو منذ أيام المنصور . وتكسّب ابن مناذر بالشعر وانقطع إلى البرامكة ومدح الرشيد ونال منهم كلّهم جوائز سنيّة . وكان ابن مناذر في أول أمره حميد الأمر حسن المروءة عفيفا متألّها ذا صلاح وحلم ووقار ، وكان يملي شيئا من الأخبار وغريب الحديث والنحو في مسجد البصرة ، إلّا أنه كان كثير النزاع للعلماء والشعراء : نازع الخليل ابن أحمد وأبان اللاحقيّ وأبا العتاهية وغيرهم ثم اشتهر عنه أنه زنديق دهريّ فساءت سمعته عند الخاصة والعامة . بعد هذا كلّه تبدّلت نفسية ابن مناذر وحياته تبدّلا عظيما لمّا تطوّرت صلته بشابّ اسمه عبد المجيد الثّقفيّ : كان عبد المجيد الثقفي شابّا من أحسن الناس وجها وأدبا وحالا ، وقد نشأت بينه وبين ابن مناذر صداقة ثم تعلّق ابن مناذر بعبد المجيد فأصبح يتعشّقه ويتغزّل به . تزوّج عبد المجيد وأقيمت له الأفراح فاتّفق أن قام في أثناء ذلك ليصلح ستارة على سطح داره فسقط على رأسه وتوفّي وعمره إذ ذاك عشرون سنة ، وذلك قبل نكبة البرامكة ( 187 ه ، 803 م ) . فحزن ابن مناذر على عبد المجيد حزنا شغل نفسه واستغرق باله وزاد فيه على حزن أخوات عبد المجيد وأمّه ، ثمّ أكثر من رثائه . وعملت المصيبة في نفس ابن مناذر فظهر تهتّكه وانكشف أمره ، وكان يؤمّ الناس في مسجد البصرة فأحجم الناس عن الصلاة وراءه ثم أخرجوه من البصرة فهرب إلى مكّة وجاور فيها لا يبرح مسجدها ، وكان في أثناء ذلك يملي أشياء من الأخبار والنحو وغريب الحديث . وكفّ بصر ابن مناذر في آخر أيّامه ثم توفّي في مكّة في مطلع سنة 199 ه ( 814 ) ، أو مطلع سنة 198 ه .

--> ( 1 ) راجع مقالا مفصلا في حياة ابن مناذر للمؤلف في مجلة « العلوم » ( بيروت ) تشرين الأول ( أكتوبر ) السنة السادسة ( 1961 ) العدد 10 ، ص 8 - 11 .